فلسطين ليست خياراً احتياطياً: حكاية زين الغزاوي كما يجب أن تُروى
القدس- دائرة الاعلام بالإتحاد.
في كرة القدم الحديثة، لم يعد غريباً أن يحمل اللاعب أكثر من جواز سفر، ولا أن يقف أمام أكثر من علم قبل اتخاذ قرار التمثيل الدولي. الغريب حقاً هو أن يختار لاعب شاب، في عمر البدايات، طريقاً لا يمنحه الامتيازات الأسهل، بل يضع على كتفيه معنى أثقل من عدد الدقائق والبطولات.
لهذا السبب، يفتح موقع الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم هذه المساحة للتعريف بلاعب شاب اختار فلسطين عن قناعة، لا عن مصادفة، وبقرار مبكر يعكس وعياً يتجاوز عمره.
زين الغزاوي،لاعب منتخبنا الوطني للناشئين ، والمولود في 18 كانون الأول 2009، ينتمي إلى جيل فلسطيني جديد تشكّل بين الشتات في انحاء العالم.
زين صاحب الجذور الفلسطينية من قرية عجور المهجرة قضاء الخليل، ولد لأبٍ فلسطيني يحمل الجنسية الاردنية، وأمٍ جزائرية، فيما كانت أستراليا محطة طفولته الأولى، قبل أن تنتقل رحلته الكروية إلى أوروبا، حيث يلعب حالياً في أكاديمية نادي لوهافر الفرنسي.
هذه المقابلة ليست للاحتفاء بموهبة فقط، بل لمحاولة فهم لاعب قرر أن يجعل فلسطين جزءًا أساسياً من مشروعه الكروي، في وقت مبكر، وبهدوء لافت.
هوية متعددة… وهدوء لاعب يعرف نفسه
حين يتحدث زين عن خلفيته، لا يفعل ذلك بوصفها قصة استثنائية، بل كأمر طبيعي شكّل شخصيته دون ضجيج. يقول: “نشأت بجذور فلسطينية، وأحمل الجنسية الأردنية من والدي، ووالدتي جزائرية، وقضيت جزءًا من طفولتي في أستراليا. هذا التنوع الثقافي شكّلني إنسانياً ورياضياً” و يضيف أن كل ثقافة منحته درساً مختلفاً “تعلمت الصمود، والاحترام، والانضباط، والانفتاح.” وهي صفات، لو دقّقت، ستجدها أقرب إلى وصف لاعب وسط ذكي، لا شاب يبحث عن تعريف لنفسه.
داخل الملعب، ساعده هذا التعدد على التأقلم السريع مع اختلاف العقليات وأساليب اللعب، وهي مهارة لا تُدرَّس كثيراً، لكنها تصنع الفارق حين يتغيّر الإيقاع فجأة.
فلسطين… القميص الذي لا يحتاج إلى شرح
حين يصل الحديث إلى فلسطين، تختفي كل الجغرافيات الأخرى، لا لأنّها غير مهمة، بل لأن القرار هنا محسوم: “فلسطين تمثل الهوية، والتاريخ، والصمود” يقولها زين ببساطة لاعب يعرف لماذا يقف هنا بالذات، ويقول “ارتداء القميص الفلسطيني يمنحني دافعًا إضافيًا وشعورًا كبيرًا بالمسؤولية.”
لم يكن القرار نتيجة مقارنة عروض أو حسابات مستقبلية وعلى حد وصفه يقول " كان خياراً طبيعياً ونابعاً من القلب.” هكذا يختصر الأمر. وفي زمن باتت فيه القرارات تُدار أحيانًا بعقل الوكلاء، يقول زين أن عائلته، لم تكن بحاجة إلى إقناع “كانوا فخورين جدًا وداعمين بشكل كامل لقراري ." ربما لأنهم، مثله وهو مثلهم، يعرفون أن احترام الجذور لا يتناقض مع الطموح، بل يحميه.
كرة القدم: قرار مبكر لا لعبة وقت فراغ
بالنسبة لزين، لم تبدأ كرة القدم كلعبة ثم تتحول إلى حلم. كانت واضحة منذ البداية “في سن مبكرة جدًا، كنت أعلم أنني أريد أن أصبح لاعب كرة قدم.” لم تكن هواية، ولم تكن خطة بديلة “كانت هدفًا واضحاً.”
ومع الانتقال بين الدول، والاحتكاك بمستويات أعلى، ازدادت التضحيات، وازداد معها الإحساس بالمسؤولية. لم يعد الطريق مجرد تدريب ومباراة، بل التزام كامل بأسلوب حياة مختلف.
لوهافر: حيث تتكلم التفاصيل أكثر من الموهبة
في فرنسا، داخل أكاديمية نادي لوهافر، دخل زين مرحلة مختلفة فهناك، لا أحد يسألك من أين أتيت، بل ماذا ستفعل الآن وعن هذه الفرصة يقول “جاءت من خلال العمل المستمر، والأداء الجيد، ودعم أشخاص آمنوا بإمكانياتي.” وكان الفارق بين أستراليا وفرنسا مباشراً: “ في فرنسا، كل حصة تدريبية تكون مكثفة بدنيًا وذهنيًا.” كرة القدم هنا أسرع، أكثر تنظيمًا، وأقل تسامحًا مع الأخطاء الذهنية.
ويؤكد زين أن فهم اللعبة لا يقل أهمية عن الجودة الفنية.” حيث ان مدربوه يركزون على ما لا يظهر في لقطات المهارة “اتخاذ القرار، والتمركز، والاستمرارية.”
ويصف البدايات بأنها لم تكن سهلة. لغة جديدة، نظام تعليمي مختلف، وزملاء جدد “التأقلم كان تحديًا حقيقيًا.” لكن الحل كما يصف، كان بسيطًا: الصبر، العمل، تعلّم الفرنسية، وترك كرة القدم تقوم بمهمة التعريف عنه.
لاعب وسط… وطموح لا يحب الضجيج
في الملعب، يُوصَف زين كلاعب وسط هجومي، لكنه يفضل الدور على المسمّى “أحب أن أربط الخطوط، أصنع الفرص، وأساهم هجوميًا، مع تقديم الدعم الدفاعي.” و يستلهم من اللاعبين الذين يجمعون بين الذكاء والمهارة والجهد البدني، ويركّز على التحركات والقرارات أكثر من الاستعراض.
تحضيره للمباريات يقوم على الهدوء “أحافظ على التركيز من خلال التخيل الذهني.”. وخارج التدريبات الجماعية، يعمل على تطوير قدمه الأضعف، والإنهاء، ومشاهدة المباريات للتعلم.
الظهور الأول بقميص فلسطين: لحظة انتماء لا تُنسى
عندما جاء استدعاء تمثيل فلسطين للمرة الأولى، لم يتعامل زين الغزاوي معه كخبر رياضي عادي، بل كلحظة فاصلة يعرف أنها ستبقى عالقة في الذاكرة مهما طال الزمن. يقول إن المشاعر تداخلت بشكل لم يختبره من قبل؛ فرح، رهبة، ومسؤولية ثقيلة في آنٍ واحد. “منذ اللحظة التي دخلت فيها المعسكر، شعرت أنني في مكاني الصحيح”، هكذا يصف إحساسه الأول، وكأن الطريق الذي قطعه بين القارات انتهى أخيراً عند نقطة واحدة واضحة. غرفة الملابس لم تكن مجرد مساحة للتحضير، بل لحظة اعتراف بالانتماء؛ رؤية القميص معلّقًا باسمه كانت كفيلة بأن تجعله يصمت قليلًا قبل أن يلمسه. “عندما رأيت القميص وسمعت النشيد، شعرت بقشعريرة حقيقية”، يقول، مؤكداً أن تلك اللحظة لم تكن مرتبطة بالمباراة بقدر ما كانت مرتبطة بالمعنى. داخل الملعب، لم يشعر بثقل الخوف، بل بثقل المسؤولية الجميلة، ذلك الإحساس بأنك لا تلعب لنفسك فقط، بل لناس قد لا تعرفهم، لكنك تعرف قصتهم. “فهمت وقتها أن تمثيل فلسطين ليس مجرد كرة قدم، بل شرف والتزام”، ومنذ تلك اللحظة، كما يقول، تغيّر كل شيء: نظرته للمباراة، لتفاصيل التحضير، وحتى لطموحه الشخصي، لأن القميص الفلسطيني لم يعد ذكرى أولى فقط، بل عهداً مستمراً.
نظره على المستقبل و رسالة إلى الزملاء
ينظر زين إلى المستقبل بطموح واقعي: اللعب على مستوى احترافي عالٍ في أوروبا، مواصلة التطور مع المنتخب الفلسطيني، والحلم بالدوري الإنجليزي أو الإسباني. هذا الموسم، هدفه واضح: “الاستمرارية وتحمل مسؤوليات أكبر.”
وفي رسالته زملائه من اللاعبين الفلسطينيين، يقول زين: “آمن بنفسك، التزم، ولا تعتقد أن جذورك ستشكل عائق… قد تكون مصدر قوتك وطموحك ”