ركلة جبريل الرجوب الناجحة

الأربعاء 06 مايو,2026
ركلة جبريل الرجوب الناجحة

يُثابر رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطينيي، جبريل الرجوب، منذ تسلّمه منصبه هذا في 2008، على إشهار ما تقترفه إسرائيل من جرائم في الرياضة الفلسطينيية ولاعبيها ومنشآتها ومرافقها في محافل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). وينشط، بدأبٍ ملحوظٍ يستحقّ الثناء، من أجل أن يُعاقبها هذا المنتظم العالمي، سيّما مع ارتكاباتها المهولة في غضون حرب الإبادة في قطاع غزّة، حيث قتلت مئاتٍ من لاعبي كرة القدم، ودمّرت 289 منشأة رياضية. ويعرف الرجوب أن هذه المعركة مع إسرائيل صعبة، ولكنه في الاجتماعات والمؤتمرات والتظاهرات العالمية التي يرأس فيها وفد فلسطين، العضو في "فيفا" منذ 1998، لا ييأس، ويُحارب بما يزوِّد به العالم من شواهد على فظاعات المحتلّين في الرياضة الفلسطينية، بثقةٍ وكفاءةٍ ظاهرتَيْن. وهذا مشهدُه أمام العالم، في أثناء المؤتمر السنوي للاتحاد الدولي لكرة القدم في فانكوفر (كندا)، يرفض طلب رئيس هذه المنظمّة الدولية، السويسري جياني إنفانتينو، أن يصافح نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي، ويجادل إنفانتينو في هذا، موضحاً أسبابه شديدة الوجاهة. وبداهةً، لا تستقيم مصافحةٌ كهذه مع ما ألحَّ عليه الرجوب في المؤتمر، معاقبة إسرائيل لإقامتها أنديةً لكرة القدم تابعة لاتحادها على مستوطناتٍ في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي لا تُجيزه قوانين "فيفا" نفسها، فضلاً عن أن لجنة الانضباط في الأخيرة وجدت "انتهاكاتٍ جسيمةً، وخروقاً لنظامها، وسلوكاً يتعارض مع التزامات عدم التمييز، والمساواة، وحقوق الإنسان، والحياد السياسي، والحكم الرشيد"، على ما أوضح في كلمةٍ موثقةٍ أمام المجتمعين، قال فيها إن "فيفا" تحدّثت سابقاً عن تحقيقٍ تجريه في هذا الملف.
ومن مفارقاتٍ تؤشّر إلى أن القضية الفلسطينية عويصةٌ في جوانبً غير قليلة، على وضوحها قضية حقوق شعبٍ في سيادته واستقلاله في أرضه، وقضية تحريرٍ من احتلالٍ عنصريٍّ بيّن، أن الذي ترأس وفد إسرائيل في اجتماع فانكوفر، ورفض جبريل الرجوب، محقّاً، مصافحته والحديث إليه، فلسطينيٌّ من الداخل، يحمل جنسية الدولة التي قامت على أرض فلسطين التي احتلتها في 1984، مسلمٌ من الناصرة، واسمُه باسم سليمان، يتولّى منصب نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، وهو موقعٌ رفيعٌ لا شكّ، ولكنه مُلغز، سيّما وأن الرجل عمد، في كلمته بعد فشل إنفانتينو في إحراز مشهد المصافحة، إلى تزيين صورةٍ أخرى لإسرائيل، على غير سمعتها دولة تمييزٍ عنصري، وارتكبت إبادة جماعية في غزّة، وتقترف جرائم حربٍ مشهودةٍ في لبنان وفلسطين. يرى في كرة القدم "جسراً رائعاً لربط اليهود بالعرب، مكاناً يحصل فيه كل شخصٍ على فرصة متساوية، حتى وإن لم تكن نقطة البداية كذلك"، بحسب قوله الذي يتعالى على الواقع في منظورٍ أوسع، وإنْ يلتقي معه في غير واقعةٍ، من قبيل أن أهالي بلدة سخنين لمّا فاز فريقهم بكأس إسرائيل لكرة القدم في العام 2004، رفعوا العلم الفلسطيني احتفالاً.
يخوض جبريل الرجوب، في موقعه (وهو رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية أيضاً) مواجهة عسيرةً، سيّما وأن المزاج في "فيفا" يهادن إسرائيل، ورئيسها إنفانتينو يُغمض عينيه عن الذي تفعله هذه الدولة الخارجة عن أعراف الإنسانية في كرة القدم وغيرها، وقد غالى في حماسِه من أجل معاقبة روسيا جزاء غزوها أوكرانيا، فحُرمت من المشاركة في تصفيات التأهل لكأس العالم، وجرى إيقاف منتخبها وأنديتها عن المشاركة في جميع المسابقات الدولية "حتى إشعارٍ آخر"، إلا أنه يتلعثم بشأن إسرائيل، ويأخذ الكلام في شأنها إلى أن كرة القدم لعبةٌ تؤاخي بين الشعوب، وكأن الخلاف في هذه البديهية. ولا تُنسى زيارته دولة الاحتلال قبل خمس سنوات، بل ودعوته فيها إلى أن تستضيف (والإمارات!) كأس العالم في 2030، وقد شارك هناك في افتتاح "متحف التسامح" الإسرائيلي، "المقام قسراً فوق مقبرة مأمن الله الإسلامية الأثرية في القدس التاريخية"، الأمر الذي أوضح الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم تناقضه مع القيم والمبادئ المنصوص عليها في نظام "فيفا" الأساسي، ولم يقبلوا في الاتحاد اللقاء به.
كانت ركلةً ناجحةً لجبريل الرجوب على منصّة "كونغرس فيفا" في فانكوفر بكندا، حقّت تزجيةُ تحيّةٍ إليه عليها.

بقلم: معن البياري

صحيفة "العربي الجديد"